صفقة اعدام صدام
أسرار تكشف لأول مرة : الشريكان السني و الشيعي اُبلغا بقرار الاعدام و لكل منهما حصة
الشيعي : باسكات الصدر و السني : بالسكوت علي اعدام صدام
في حوار خاص للغد مع الباحث في الشأن العراقي عمار البغدادي , كشف عن أسرار تكشف لأول مرة تتعلق بالصفقات التي أبرمت للتخلص من رأس الرئيس العراقي السابق . ثم تعرض لمستقبل العراق و المنطقة بعد الحكم . و كان الحوار التالي ..
ج : استطيع القول انها انتهت في العراق . أنا ما يهمني هو الموضوع العراقي , و ما يهم الشرفاء في مختلف أنحاء العالم هو أن تنتهي عمليات القمع و الديكتاتورية في بلادنا , لأن العراق عاني كثيرا ً من ديكتاتورية الحزب الواحد , و الخطاب الأحادي , و سيطرة مجموعة مستأثرة بالسلطة علي مقاليد البلاد . المنطقة العربية لها رجالها و زعاماتها السياسية , و ما يهمني أن لا تتكرر التجربة العراقية في بقية البلدان العربية , فما يجري في العراق كارثي علي كافة المستويات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية . ما يهمني أن صدام كعهد و أسلوب لادارة السلطة, و نهج تعسفي في قيادة البلاد إنتهي , و أتمني أن تتعظ المنطقة بالنموذج العراقي و أن تلتفت القيادات السياسية إلي شعوبها . إن النموذج العراقي قد يطل مرة أخري علي المنطقة اذا ما تكررت الحالة العراقية بنموذجها الصدامي . فحذار من تكرار النموذج .
س : تباينت ردود الفعل العالمية الرسمية و الشعبية عقب اعدام صدام بين مؤيد و معارض . ما تعليقكم علي ذلك ؟
ج : من حق المعارضين أن يعارضوا , و من حق المؤيدين كذلك . إن التباين و التعارض حالة طبيعية في سياق الحديث عن نموذج طغياني كالنظام الصدامي في العراق . إن هذا الرجل ملأ الدنيا دخانا ً و معارك كونفشيوسية , و تحول العراق بعده إلي ميدان للحروب و القتلي و مشاريع للإغارة علي العراق و المنطقة العربية حتي تحول إلي أسطورة في نظر الكثير من العرب لكن تلك الأسطورة وجدت من قًبل القوات الأمريكة في قبو بمنطقة الدور من ضواحي تكريت . إن هذا الديكتاتور سعي إلي رسم صورة مهولة في الذهن العراقي و العربي عبر حروبه و قتله و أسلوب إدارته للأزمات في العراق , لكن دخول القوات الأمريكية كشف صورة الديكتاتور للناس , الصورة التي يعجز فيها في الدفاع عن نفسه و الإختباء في حفرة . أنا أعتقد أن العرب بحاجة إلي وقفة تأمل لصورة البطل القومي الذي سلم بغداد بلا قتال و أدخل العراق في حمامات الدم الطائفي و القومي و السياسي و الإجتماعي . إن هذه المراجعة مطلوبة في سياق قراءة صحيحة لعراق ما بعد صدام . أعود فأقول أن التباين الذي ظهر في الإعلام العربي و ردود فعل الشارع كان بسبب الصورة المتضخمة التي صنعها صدام حول نفسه و أحاط بها نظامه . لكن المطلوب عربيا ً مراجعة حقيقية للنظام و إدارته و أسلوبه و قد حان الوقت لمثل هذه المراجعة .
س : ما تعليقكم علي توقيت اعدام صدام و الشكل الذي نفذ به الحكم ؟ قيل أن التوقيت رغبة أمريكية ثم قيل بعدها أنه رغبة الحكومة العراقية و أن صور الأعدام سربت عن قصد منها ؟
: أنا ضد التوقيت و الشكل الذي ظهر فجر عيد الأضحي . إن الذي يسقط في الذهن لأول مرة هو أن هناك حفل شيعية لاعدام سني . المؤكد أن صدام حسين أنتهي يوم التاسع من نيسان 2003 بدخول القوات الأمريكية إلي بغداد , لكن الذي أعدم فجر العيد في نظر فقهاء الإعلام العربي هو صدام السني . أنا أعتقد أن القرار كان صحيحا ً لكن الشكل كان خاطئا ً . كان بالإمكان حصول عملية الإعدام بهدوء عبر موقف قضائي عراقي واضح جراء المجازر التي ارتكبها صدام ضد أبناء الشعب العراقي , لكن البعض شاء أن يكون الإعدام بالطريقة التي تم بها . إن المشهد عزل الحكومة العراقية عن محيطها العربي , و إذا لم يحدث في السابق إصطفاف طائفي عربي ضد العرب الشيعة في العراق فإن إعدام صدام و صعوده إلي حبل المشنقة أسس لتلك اللحظة . لقد بدأت الطائفية في العراق منذ ثلاث سنوات بدخول الأمريكان . و بدأت مرحلة العزلة السنية العربية للحكومة العراقية المنتخبة في اللحظة التي تدلي بها رأس صدام في مديرية الإستخبارت العسكرية في مدينة الكاظمية الشيعية . أخيرا ً أقول : كان بإمكان الحكومة أن تنفذ الحكم في الرمادي السنية مسقط رأس اللواء الدليم ي القائد العسكري العراقي الذي قاد إنقلابا ً عسكريا ً ضد صدام – و لم يتم في الكاظمية الشيعية – و لكن مقادير السياسة في العراق – و هي مقادير ناقصة – شاءت أن تحقق نصف إنتصار بإعدام صدام مقابل خسارة كاملة مع محيطها العربي .
س : في لحظات ما قبل تنفيذ الحكم , وجه صدام رسالة إلي الشعب العراقي بضرورة التوحد و إجلاء الأمريكيين عن العراق . في رأيكم ما دلالة هذا النداء , و ما أبعاده خاصة ً أنه عقب الحكم صدر بيان من عزة الدوري يعلن فيه أنه سينتقم لدم صدام من الحكومة العراقية و الأمريكان ؟
ج : صدام – يا عزيزي محمد – كان يعول إلي آخر لحظة علي صفقة مع الأمريكيين لإخراجه من السجن , و كان بإمكان صدام أن يُعري الأمريكيين و سياساتهم العراقية في عهده المتمثلة بإستخدام الأسلحة الكيمائية و مصادرها الأمريكية , لكن الرجل كان شديد التعلق بتضخم الأنا في نفسه , و مع ذلك كان يتوقع الصفقة , و هي ذاتها التي أخرجت وزير النفط العراقي السابق أيهم السامرائي من سجنه و وصوله إلي الولايات المتحدة الأمريكية من عمان . أنا أعتقد أن الرجل عاش نرجسية من نوع مختلف عن أقرانه من الديكتاتوريات السياسية في العالم , و الرسالة في المعايير السياسية لا تشكل عنصرا ً محفزا ً للآخرين سواء من داخل الحزب أو المحيط العربي . لكن أنا أقول شئ آخر : لم يحدث في تاريخ الزعامات السياسية في المنطقة العربية أن ترك رئيس بعد موته إنقساما ً طائفيا ً و سياسيا ً حادا ً كما ترك صدام . إن المجتمع العراقي سيبقي يعاني من آثار هذا الإنقسام كثيرا ً , و العراقيون بحاجة إلي سنوات طويلة لكي يبرأوا من آثار هذا الديكتاتور و جرائمه التي يندي لها جبين الإنسانية .
س : لماذا لم يظفر صدام بالصفقة التي كان يترقبها ؟
ج : لأن البعث الذي قاده 35 عاما ً ساوم الأمريكيين عليه مقابل المشاركة في السلطة . و قد تم ذلك عبر لقاءات و حوارات مكثفة جرت في كل من عمان و بيروت . جناح كبير في البعث وراء صفقة إعدام صدام , لكن الصفقة لها ذيول و الأمريكيون أفادوا كثيرا ً من إعدامه عبر تصفية العديد من الأوراق السياسية , و خلط أخري . الشريك الشيعي أُبلغ في واشنطن بإعدام صدام مقابل إسكات مقتدي الصدر , و إعادته إلي العملية السياسية , أو تصفيته إذا ما أستمر موقف المقاطعة للبرلمان و الحكومة . و الشريك السني في الحكومة أبلغ في واشنطن أيضا ً بأن مقتدي الصدر سيتم إلغاء دوره في الحياة السياسية , و نزع سلاح مليشيا جيش المهدي , و عليكم السكوت علي إعدام صدام . و قد فعل الجانب السني و الشريك في العملية السياسية ذلك . في المعلومات أن الأيام القليلة القادمة ستشهد إطلاق سراح مسؤلين عراقيين سابقين معتقلين في قاعدة كروبر الأمريكية العسكرية قرب بغداد كجزء من صفقة بيع رأس صدام و المشاركة في السلطة . و أملك معلومات , أنحفظ عليها الآن بشأن دور جناح البعث في العراق بإعدام صدام . لكن ما أستطيع قوله هنا أن رأس الرجل تم بيعه علي يد رفاقه , و هي ظاهرة رافقت حياة الحزب منذ ولادته , و بعد أن حول صدام حسين الموت نظرية عمل يومي , تحول التآمر لغة يومية تجري مجري الماء في أنهار الدم العراقي المباح . و هذا ما حصل : رأس صدام مقابل المشاركة في السلطة .
س : هل تري أن صفقة كتلك تسرع بإنهاء الوضع المأساوي في العراق أم تزيده تفاقما ً . ام هي في صالح الأمريكيين وحدهم ؟
ج : إنها صفقة و عليكم إنتظار نتائجها علي الأرض . لكن بالتأكيد لن تستطيع صفقة مثل تلك إنهاء حالة ( الإحتراب الطائفي ) في العراق , إضافة إلي وجود جماعات القاعدة , و الأطراف المتشددة , لكن الصفقة كفيلة باشتراطاتها الأمريكية أن تضيق الخناق علي الأطراف المسلحة التي يرعاها بشكل مباشر بالسلاح و العتاد و الخطط الكثير من القيادات القديمة للبعث العراقي . إنها صفقة و عليكم إنتظار نتائجها – أخي محمد .
(( انتهي ))
محمد مجدي
في 8/1/2007

